النوفلي
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» صلاة صباح عيد ختان الرب 2023
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالسبت فبراير 17, 2024 4:02 am من طرف Jo Hermiz

» رمش عيد ختان الرب 2022
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالخميس فبراير 15, 2024 3:09 pm من طرف Jo Hermiz

» الجمعة الرابعة من السوبارا
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالأربعاء فبراير 14, 2024 5:43 pm من طرف Jo Hermiz

» تشبوحتا
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالخميس سبتمبر 01, 2022 3:32 pm من طرف Jo Hermiz

» شبح لالاها معشنان
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالثلاثاء مايو 03, 2022 5:20 am من طرف Jo Hermiz

» تشبوحتا دمثأمرا بسهرة الحش يوم خميس الفصح بعد الانجيل
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالجمعة أبريل 15, 2022 3:04 pm من طرف Jo Hermiz

» شليحا دعيذا قديشا دقيمتيه دمارن
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالخميس أبريل 14, 2022 3:09 pm من طرف Jo Hermiz

» قريانا دعيذا قديشا دقيمتيه دمارن
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالأربعاء أبريل 13, 2022 3:48 pm من طرف Jo Hermiz

» قولاسى دقوداشا تليثايا تسجيل جديد
الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Emptyالأربعاء أبريل 13, 2022 3:06 pm من طرف Jo Hermiz

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
قم بحفض و مشاطرة الرابط النوفلي على موقع حفض الصفحات
التبادل الاعلاني
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit      

قم بحفض و مشاطرة الرابط النوفلي على موقع حفض الصفحات


الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار

اذهب الى الأسفل

الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار Empty الندوة الكتابية/ يهوذا وتامار

مُساهمة  مركريت قلب يسوع الأحد يناير 23, 2011 11:03 pm

الندوة الكتابية / مطرن بشار متي وردة
الخميس 20 كانون الثاني2011
يهوذا وتامار (تك 38)
ينتقل الراوي إلى قصّة إبنٍ آخر ليعقوب: يهوذا، وكأن قصةَ يوسف إنتهت إلى ما آلت عليه في الفصل 37: 36، فبيعَ يوسف عبداً ونزلَ إلى مصر، تاركاً القارئ والمُستمِع للقصة في حيرة من أمرِ يوسف مُتسائلين: ما مصيرُ هذا الحالم وحلمهِ؟ وكيفَ يُمكن أن يتحقق حلمه؟ على أية حال، هذا التجاهل المؤقّت لقصة يوسف يترك السؤال حول مصير يوسف قلقاً فينا، ويُبطّئ سيّرَ القصّة، ويُظهِر أننا مازلنا في نطاق قصص عائلة يعقوب، لاسيما مكانة يهوذا ودوره، وتتعامل مع قضايا حياتية كانت أرضيّةً لمُشترعات حول قضايا الزواج والجنس والإرث ومسؤولية الأفراد تجاه مثل هذه القضايا المصيرية بالنسبة للجماعة.

قصّة يهوذا وتامار هي قصّة عائلية ضمن قصص العشيرة أكثر منها قصّة شعبٍ أو أمةٍ. قصّة لربّما تبدو غريبة عن سياق الأحداث كلّها، لأن الراوي ينتقل، وعلى نحوٍ مُفاجئ، من قصّة يوسف إلى قصة يهوذا ولا يُعطينا بصراحة موضوع قصتّه، بل يأخذنا في تفاصيلَ مُتشعبة قبل أن يصل بنا إلى الموضوع الأهم في القصّة: الأمانة في المسؤولية. فالقارئ يسأل: هل يُريد مُعالجة موضوع زواج الأخ من أرملة أخيه (تث 25: 5- 10)! حتى لو كان هذا بعد وفاة شقيقين؟ هل يرغب في طرحِ قضية زنى يهوذا وتامار؟ أم عن إزدواجية المعايير عند يهوذا في الحكم على سلوكيّاته وعلى سلوكية الآخر: تامار؟

علينا أن نُؤكّدَ منذ البدء أن ليس للراوي مكاناً آخر ليروي قصّة يهوذا وكنّته إلا في وضعها الحالي. إذ لم يكن بمُستطاعه أن يضعها قبل قصة يوسف لأن يهوذا كان شاباً يرعى غنمَ أبيهِ مع إخوته ولم ينعزل عنهم ولم يتزوّج إلا حينما كبُرَ فأخذ شكلاً من الإستقلالية عن حياة العائلة الكبيرة. ولم يكن بإمكان الراوي أن يضعها بعد قصّة يوسف لأن العائلة كلّها ستنزلَ إلى مصر، وليس من الممكن العودة بها إلى أرضِ كنعان لرواية قصّة يهوذا وتامار.

فَصلَ يهوذا نفسه عن العائلة الكبيرة وفارقهم جغرافياً وأستقرَ على مقربة من بيتَ لحمَ، وتزوّجَ بامرأة كنعانية غير معروفةِ الأسمِ فولدت له ثلاث بنينَ عيراً وأونان وشيلةَ في أرضِ كَزيبَ (معنى الأسم: الخداع والمراوغة). زواجٌ من إمرأة كنعانية زواجٌ سبقَ وأن لم يحظَ بموافقة الجد إسحق ورفقة وبركتهما (26: 34- 35، 28: 8-9)، وهو يُظهِر في نفس الوقت عدم مقدرة يعقوب على التحكّم في سلوكيات أبنائه وقراراتهم.

ظهرتَ تامار الكنعانية زوجةَ لعيرا الشرير والذي ماتَ بسبب شروره، ولا يذكر الراوي كيف ومتى وأين حصلَت وفاته. يبدو أن شرّه كان عظيماً حتى أن الربَّ لم يرضَ عنه، لأن عيرا هو أولُ بكرٍ يرفضه الربُّ ويميتُه، ولم نسمعَ منذ أيام سدوم عن قرارٍ إلهي كهذا. وجّهَ يهوذا إبنه أُونان ليتزوّجَ بتامار ويُقيمَ لأخيه عيرا نسلاً، وهذا ان عُرفاً وتقليداً ثم صارَ تشريعاً:
إذا سكنَ إخوة معاً ومات أحدهم من غير أن ينجب ابنا، فلا يجب أن تتزوج امرأته رجلا من غير أفراد عائلة زوجها. بل ليتزوجها أخو زوجها ويعاشرها، وليقم نحوها بواجب أخي الزوج، ويحمل البكر الذي تنجبه اسم الأخ الميت، فلا ينقرض اسمه من أرض إسرائيل. وإن أبى الرجل أن يتزوج امرأة أخيه، تمضي المرأة إلى بوابة شيوخ المدينة وتقول: قد رفض أخو زوجي أن يخلد اسما لأخيه في إسرائيل، ولم يشأ أن يقوم نحوي بواجب أخي الزوج. فيدعوه شيوخ المدينة ويتداولون معه في الأمر. فإن أصر على الرفض وقال: لا أرضى أن أتزوجها. تتقدم امرأة أخيه إليه على مرأى من الشيوخ، وتخلع حذاءه من رجليه وتتفل في وجهه قائلة: هذا ما يحدث لمن يأبى أن يبني بيت أخيه. فيدعى في إسرائيل بيت مخلوع النعل. (تث 25: 5- 10).

نلحظ أن يهوذا لا يقول: أقم نسلاً لأبني عيرا، بل لأخيكَ، فيهوذا مُهتمٌ بالأخ الميّت أكثر من إهتمامه بالأرملة الحيّة حتى أنه لا يذكر إسمها. كان بإمكان أونانَ، وفقَ التشريع أن يرفضَ هذا الطلب، ولكن عليه قبول المهانة أمام أهل المدينة أو البلدة.

لا يقبلُ أُونان طلبَ أبيه، لأن ولادة أي طفلِ لصالح أخيه يعني حرمانه هو وأبناءه من الحصّة الأكبر من الميراث، فيتّخذ من تامار وسيلة لقضاء حاجته الجنسية، وهذا خداع وشرٌ آخر يُضاف إلى شر عدم قبوله بمسؤوليته تجاه أخيه الكبير، وهو أمرٌ لا يقبل به الله أيضاً، فيُميت أونان. هنا، وخوفاً على حياة إبنه شيلةَ، يسأل يهوذا تامار كنّته أن ترحلَ إلى بيت أبيها حتى يكبُرَ شيلة فيتزوّج بتامار. إعتقدَ يهوذا أن تامار فألٌ نحسٌ على حياة العائلة، فأرادَ إبعادها بهذه الخطّة الخادعة والتي تبقَ وسيلته الوحيدة لحفظِ مُستقبلِ العائلة، مُتجاهلاً حقّها. خافَ أن يموتَ مثلَ إبنه عيرا من دون نسلٍ، فأعلنَ عدم أهلية شيلة للزواج، فقَبلَت تامار طلبَ يهوذا على أملِ أن يكبُر شيلةَ لأنه أصغر من أن يتزّوج الآن، وهذا لم يحصلَ بالطبع.

رأت تامار أنها خٌدِعَت من قبل يهوذا، فأخذت مسؤولية إقامة النسل على عاتقها، فتجاوزت الشريعة بُغيةَ إتمام الشريعة: أن يكون لها نسلٌ حتى لو جاءَ هذا على حساب هويّتها: أرملة عيرا، وكرامتها، فتلعب دور البغي لتجذبَ إليها يهوذا المُقصّر في الحفاظ على حقوق الآخرين. طلبَ منها يهوذا ممارسة الجنس لقاء ثمنٍ: "أُرسلُ لك جدياً من الماشية"، أما هي فكانت تبحث عن الإمتيازات لا الأسعار، فطالبت منه أن تحتفِظَ بشاراتِ الرجولة والسيادة: "الخاتم والعمامة والعصا"، فتتنازلَ طوعاً عن هويّته هو الآخر مُقابل قضاء حاجته الجنسية. وعندما أرادَ إستعادَة هذه الشارات، لم يجدها فقبلَ بإختفاء هذه الشاراتِ مُقابلَ الحفاظ على إسمه وكرامته ما بين الرجال فلا يضحكونَ عليه لأن "بغياً" خدعتهُ.

حصلَ الحمل وصارَ هناك فرصة ميراثٍ، ولكن هناك مُشكلة إذ يجبَ أن تموتَ تامار بحسب قولِ يهوذا، لأنها زانية. يهوذا، الذي قبِلَ إستخدام بغيٍّ لقضاء حاجته الجنسية، رفضَ أن تكون كّنتهُ بغياً. من الواضح أن هناك معايير أخلاقية مزدوجة لدى يهوذا، فيحكم على زنى تامار بمعيارٍ يختلف كثيراً عن الذي يُطبّقه على نفسه، فحكمَ بالإعدام على أرملة عاجزة (24)، تُوصَف بأنها زانية، وبالتالي لا تمتلك الأمن الإجتماعي أو الملاذ الشرعي، لتموت بجُرمِها ولكنها تُغطي إنتهاكاً أعظم؛ عدم صدقِ يهوذا.

لقد أُظهرَ يهوذا قصوراً في الحفاظ على حياة الآخرين وحقوقهم وكرامتهم. يهوذا الذي فَشِلَ في إدارة شؤون عائلته، مثلما فشلِ في إلتزام مسؤوليته كرأسٍ للعائلة، فإختارَ وفقاً لمصالحه وأهوائهِ حتى لو جاءت على حساب كرامة الآخرين وحقوقهم. لقد أعطى الله يهوذا الجاه والنسب، لذا كان مُطالباً بالكثير (لو 12: 48)، أن يكون مسؤول، لاسيما في رعاية الأرامل والحفاظ على حقوقهم، حتى لو أُضطرَّ بالمخاطرة بإبنه الثالث من أجل الحفاظ على ديمومة النسل، وحياة الجماعة، والتي هي أضعفَ من أن تحمي نفسها. فلا يُمكن الإهتمام بالمصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامّة. ولكنَّ تامار تكشف خداعَ يهوذا، وتُلقّنه درساً لن ينساه: "هي أصدقُ منيّ"، فعليه أن يضعَ الجماعة ومصالحها قبلَ أيّ هدفٍ أو غاية، وعليه أن يتعلّم كيف يستخدم سلطته للحفاظ على كرامةِ الآخرين وحقوقهم. لا يُصادق الراوي أو الجماعة على فعلتها، إذ لا يُمكن أن تُؤسس مثلُ هذه العلاقة في الجماعة: "ولم يعد أيضاً يُضاجعها". وتنتهي القصة بصراعِ الأخوة من جديد من بطنِ أمهم، فيُولد فارص زارح أجداد داود ويسوع (متى 1: 3)، ليُخبرنا أن الله لا يتجاهل إنسانيّتنا، ولا يتحدد بقصورنا وعجزن، بل يقبلنا مثلما نحن، ويسير معنا الحياة.

وكان الربُّ مع يوسف

يوسف في مصر (تك 39)

كيفَ هي أحوالُ يوسف في مصر؟ وهل سينجح صاحبُ الحلم في الحفاظِ على الحلم وهو يُواجه قوّة سياسية وإقتصادية وإجتماعية مهولة مثل قوّة مصر وسطوتها؟ سيحاول الراوي الإجابة على هذه الأسئلة من خلال قصة يوسف في مصر والتي بيّنت وجه الخدمة الأمينة في حياة يوسف فأنقذَ الشعب بخدمته هذه.

إنتهت أحداث الفصل 37 بنزول يوسفَ إلى مصرِ، وبنزول يعقوب الأب إلى "عالمِ الأموات" (37: 35) حُزناً على يوسف إبنهُ المحبوب، الذي يحمل في شخصه حُلمَ إله إسرائيل. فباعَ الإسماعليين يُوسفَ إلى فوطيفار كبيرِ خدم فرعونَ ورئيس الطُهاة. الإنتقالة من عملية البيع وإلى عملية الشراء، هي مُؤشرٌ على الإنتقالة من سياق الأخوة والمديانيون إلى سياق فوطيفار ويوسف.

رأى (شَهِدَ، عَرِفَ) فوطيفار أن الربَّ حاضرٌ مع هذا العبدِ في غربته، فيوسف لم يكن وحيداً بل كان الربُّ معه، وصمتُ يوسف إنما هو تعبير عن تساؤول حياتي: كيف يكون الربُّ معي وأنا أختبرُ كل هذا الضيقَ والألمَ؟ يعلم يوسف أنه بحاجة إلى مزيد من الوقت، مزيد من الثقة، مزيد من الإيمان ليعرف معنى: "يُبارككم الربُّ ويحفظكم، يُضيءُ الربُّ بوجههِ عليكُم ويرحمُكُم، يرفعُ الربُّ وجهه نحوكم ويمنحكم السلامَ" (عدد6: 24- 26).

لكنَّ الراوي يؤكّد على هذا الحضور الإلهي في غيابٍ واضحٍ لدور العائلة والأصدقاء في حياةِ يوسف والذين قرروا عزلهُ وإبعاده عن مسرحِ الحياة، إلا أنه حملَ ولاءً وأمانةً وصبراً وحكمةً في وقتِ التجربة، وهذا يفتح المجال لله ليُبادر ويضعَ أمام الإنسان إمكانياتٍ جديدة وفرصَ حياة وافرة. هكذا يُباركَ الله مصرَ بسبب أختيارَ يوسف مع أنه ليسَ من مصرَ.

لا يُريد الراوي أن يُوهمنا بصورةٍ خيالية عن حضور إلهنا مُتجاوزاً أو متنكّراً واقعَ حياتنا المرير، فواقعُ حياة يوسف صعبٌ للغاية، وأُجبِرَ على الصمت على الرغم من براءته في فتراتٍ طويلةٍ من حياته. ربّنا يسيرُ مع يوسف وهو يتلّمس طريقه خارج أرضِ الميعاد أيضاً ومن خلال خبرات الحياة اليومية، وحتى من خلال الآخرين الذين ليسوا في خط الوعدِ الإلهي على نحوٍ مُباشر. حضور الله لا يُمكن تحجيمهُ جغرافياً، ولا يمُكن تحديده بشعبٍ دون سواه. يبقى الله حُراً أمام الإنسان، ويعرف الله أن الإنسان كثيراً ما يُعقّد واقعَ حياته، ويجعله فوضوياً غامضاً، ولكنَّ هذا لا يمنع الله من أن يعملَ عملهُ في التاريخ الإنساني. ولا يُريد الله تخدير الإنسان بمُسكّناتٍ معنوية وكأن الألم غيرُ موجودٍ، أو أنه سيتدخل ليُغيّر الواقع على نحو سحري.

"حضور الله مع بارّهِ" أمرٌ مؤكدٌ لأن الله أمينُ مع الإنسان أينما رحلَ أو رُحِلَ، أما تأثير هذا الحضور وفاعليته فهذا يكون ضمنَ سياقٍ وتاريخٍ إنساني بكل ما يحمل من فوضوية وغرابة، غيرَ متناسينَ أن الله يُبرِز هذا الحضور عبر مُختاريه، وهذا ما تلمّسه فوطيفار في مباركة الله لبيته بسبب يوسف (5)، وما سختبره المصريونَ لاحقاً على يد يوسف: "أُباركُ مُباريكيكَ (تك 12: 3). فما يعمله مُختارُ الله سيكون له دوماً أثرٌ على حياة الناس من حوله، وما سنلتزِم به من مواقف سيكون له أثرٌ على حياة العالم من حولنا.

مُحميٌّ في بيت فوطيفار

ومُباركٌ في سجن الملك

وضعَ فوطيفار كل بيّته تحت سلطان يوسُف، فأعلى من مكانته، وجعلَ في يده كلَّ قراراتِ بيته ما خلا طعامه؛ وحَرصَ يوسف من جانبه على حُسنِ أداء هذه المسؤولية، والتي جاءت هي الأخرى نتيجة تدخّل الله لصالحِ يوسف، وفَهِمَ يوسف أنها ليست مُجرّدَ أشغالٍ ومسؤولياتٍ وواجباتٍ، بل دعوةٌ من الله عليه أن يرعاه بأمانة حتى لو بيعَ عبداً في مصرَ. واقع يوسف المؤلم والظالِم لا يُبرر له إنتهاكاتِ علاقات مُؤسسة مُسبقاً. لذا، يبرز يوسف كشخصٍ قوي لا يُمكن أن يُجرَبَ أو يُغوى أو ينغرًّ بسبب قوّته ومكانته أو أحلامه. وأكّدَ الراوي على أن كلَ شيءٍ كان مُحالاً ليوسف، ما عدا الخُبزَ الذي كان فوطيفار يأكله.

من جانبٍ آخر تمتّعَ يوسف بحُسنِ الهيئة والمنظر، فجذَبَ إليه أنظار وشهوة زوجة سيّدة والتي تأمره بأن يُضاجعها، فرفضَ ذلك مُعتبراً الأمر خيانة لسيّده، وخطيئة موجهةً لله. فزوجة فوطيفار تأمره بأن ينامَ معها، فالموضوع يتعلّق بالسلطة أكثر منه بالحب، وفَهِمَ يوسف ذلك ويُذكرها بأن سلطتها تأتي من أنها زوجة فوطيفار الذي يأخذ بدوره سلطته من الله، وبذلك يجب أن تُحترَم هذه السلطة ولا تُنتهَك. هي تعلمَ ما هو ممنوعٌ على يوسف، لذا تطلب الممنوع، لابل تتحوّل من غاوية إلى مُعتدية، فتضع يدها على يوسف لتسحبه إليها، إلا أنه ينجح في تحرير نفسه منها، تاركاً ثوبهُ، فهربَ نصفَ عارٍ، أي من دون حماية تُذكر. لم تنجح زوجة فوطيفار بالإمساك بيوسف، ولكنّه نجحت في الإمساك بثوبه لتنتقِمَ منه، فيُستبدَل العشقُ بالمُراوغة والإتهامات الحاقدة.

عرِفَ يوسف أنه إذا حافظَ أميناً على مسؤولياته تجاه سيّده، سيكونَ أميناً أمام الله، هو البار الذي يستحضِر الله في كافّة تفاصيلِ حياته لأنه إلهٌ يثقُ به تماماً على الرغمِ من كل ما يوُجهه من صعوبات. يوسف يُمثّل الزيادة، زيادة في الثقة بالله، زيادة في الإيمان. لقد ذاقَ وعرِف خير الله وطيبته في حياته، ولن يتنازلَ عن ذلك مهما كانت التجارب.

ويرى يوسف أن "الزنى" يُعد إستخداماً مُسيئاً للسلطة والقوة التي يمتلكها الإنسان لاسيما وإنها إنتهاكٌ صارخٌ لعلاقة ثقة بينَ أطرافٍ عديدة: مع فوطيفار ومع الله. لذا، علينا أن لا نقرأ الحدث من زاوية الإغواء والإغراء والشهوة الجنسية وسُبل السيطرة عليها، فهذا تحجيمٌ للقصّة ليس إلا. ليوسف إمكانية تقييم الأمور بقدرٍ كبير من التعقّل والإيمان: لقد جعلني سيّدي مسؤولاً وعليَّ أن لا أخونَ هذه الثقة، فهذه خطيئة أمامَ الله، لأن الله هو خالقُ هذه الثقة ومُديمها بقدرِ تعاونِ الإنسان معها.

يبرُز موضوع الأمانة والثقة في هذه القصّة كموضوعٍ مركزي لاسيما وأن فوطيفار أوكلَ العناية ببيته وزوجته إلى يوسف (9)، فليسَ لزوجة فوطيفار الحق على يوسف، وليست مُحقّةً في طلبها، وبالتالي ليسَ مُلزماً بطاعتها، فرفضَ بشدّة طالباتها المُتكررة، ورفضتَ زوجة فوطيفار قبول جوابَ يوسف وإعتراضهُ، ولكنها بقيت ورائه حتى أمسكت به يوماً، إلا أنه هربَ وترك ثوبه بين يديها، ويبدو أن ثيابه تُحرجهُ دوماً وتُوقعهُ في أزمات صعبة، فكان الثوبُ دليلَ إتهامٍ زوجة فوطيفار له، وسبب حبسه في سجن مُخصص لسجناء القصر، مثلما حُبِسَ يوماً في بئرٍ فارغة لا ماء فيها: تُرى أيُ قافلةٍ ستُخلّصه من حبسه هذه؟ وما هو مصيره بعد هذه الحادثة؟

صمتَ يوسف البريء أمام التهمة الجديدة الموجهة ضدّه، وقَبِلَ أن يُلامَ على أمرٍ فعله الآخر به. هو يعرِف انه مُجرّد عبدٍ لا حقوقَ له، ولا يحقَ له الإعتراض، عليه أن "يطيعَ ويقبل" ما يأمر به سيّده. أخذت زوجة فوطيفار ثياب يوسف، فإنتزعت السلطة التي كانت له في بيت زوجها، ولكنها لم تتمكّن من أن تأخذ الحلم الذي يحمله يوسف، لأنه هذا هو حلم الله.

سعت زوجة فوطيفار لا إلى فضحِ يوسف عن طريق قلبِ الحقائق فحسب، بل إلى إشعارِ زوجه بالذنب والتقصير المُجحِف بحقها: أنت سبب ما حصلَ لي؟ أنت جلبتَ لنا هذا العبدُ العبراني؟ أنت تتحمّل المسؤولية؟ فأمرَ فوطيفار بحبسِ يوسف، لا إعدامه أو قتله، لربمّا لأنه لم يقتنع كُلياً بالقصّة التي روتها زوجته، وأرادَ المزيد من الوقت ليتفحصَّ الأمر عن كثبٍ، لاسيما وأن الأمرَ يتعلّق بخادمٍ موثوقٍ به. وهذا تدبير من الله، لأن الله لم يترك يوسف في مصيبته الجديدة، إذ إنتقلَ من البئر العميق إلى السجنِ المُوحِش، فأظهرَ خيراً على يديه، ونالَ يوسف ثقة رئيس السجن، فجعلها الله إنتقالة من بيت فوطيفار إلى بيت رئيس السجن. نظرت أمرأة فوطيفار إلى يوسف فأحبّت ما رأت، ولكنها أرادته وسيلة إشباعٍ جنسي، أما رئيس السجن فنظرَ إلى يوسف فرأى سجيناً أهلاً للثقة وتحمّل المسؤولية، فولدت علاقة ثقة بينهما ستؤول إلى خيرِ الطرفين.

برزَ يوسف هنا بمواقفَ إختلفتَ عن تلك التي بيّنها إخوته، وحتى يهوذا. إذ لا يُمكن أن تُضحي بمُسقبلِ الجماعة من أجل رفاهية شخصية آنية. خيرُ الجماعة وديمومة حياتها يعتمد على حُفظ الثقة التي تربط علاقات الأفراد معاً، وإحترامهم وحرصهم على توظيفِ كل إمكانياتهم والسيطرة على رغباتهم ومشاعرهم من أجل الجماعة. لقد بيّن الله ليوسف (وللشعب ولنا) ما معنى وعده: "يُبارككم الربُّ ويحفظكم، يُضيءُ الربُّ بوجههِ عليكُم ويرحمُكُم، يرفعُ الربُّ وجهه نحوكم ويمنحكم السلامَ" (عدد6: 24- 26).
مركريت قلب يسوع
مركريت قلب يسوع

عدد الرسائل : 570
تاريخ التسجيل : 04/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى