بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» احترام الأبوة الروحية
الجمعة سبتمبر 29, 2017 8:31 pm من طرف طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

» " كُلُّ خَطيئةٍ وتجديفٍ يُغفَرُ لِلنَّاس، وَأَمَّا التَّجْدي
الثلاثاء سبتمبر 26, 2017 8:53 pm من طرف طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

» عظة منسوبة للقدّيس أفرام السريانيّ (نحو 306 - 373)، شمّاس في
الخميس سبتمبر 14, 2017 9:19 pm من طرف طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

» عظة البابا يوحنا بولس الثاني في حفل تقديس خوسيماريا اسكريفا
الإثنين سبتمبر 11, 2017 1:12 am من طرف طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

» لماذا؟ (تأمل روحي)
الإثنين سبتمبر 11, 2017 1:06 am من طرف طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

» صلاة القديس كبريانوس
الإثنين سبتمبر 11, 2017 1:02 am من طرف طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

» المزمور150
الخميس نوفمبر 10, 2016 11:42 pm من طرف Abdullah

» المزمور 149
الخميس نوفمبر 10, 2016 1:27 am من طرف Abdullah

» المزمور 148
الإثنين نوفمبر 07, 2016 5:09 am من طرف Abdullah

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
قم بحفض و مشاطرة الرابط النوفلي على موقع حفض الصفحات
التبادل الاعلاني
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

قم بحفض و مشاطرة الرابط النوفلي على موقع حفض الصفحات


عقيدة " الحبل بلا دنس " الكاثوليكية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عقيدة " الحبل بلا دنس " الكاثوليكية

مُساهمة  طلال فؤاد حنوكة ايشوعي في الأربعاء سبتمبر 12, 2012 3:00 am

أعلنت في 8 ديسمبر 1854 وحددها البابا بيوس التاسع الذي كان يعتلي كرسي روما بين 1864 – 1878، وقد أعلنها البابا على أنها عقيدة موحاة فلذلك على كل مؤمن داخل الكنيسة الكاثوليكية أن يؤمن بهذه العقيدة.

نص العقيدة

"أن الطوباوية مريم العذراء حفظت معصومة من كل دنس الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها، وذلك بامتياز ونعمة خاصة من الله القدير بالنظر إلى استحقاقات يسوع المسيح فادي الجنس البشري".

الهدف من نص العقيدة هو تبرئة العذراء من أي علاقة بالخطيئة ؛ أي أنها طاهرة تماماً ليس لها خطية أصلية أو شخصية منذ اللحظة الأولى التي حبل بها وحتى وجودها كإنسان، نظراً للمكانة التي ستحتلها مريم بأن تكون أماً لله تعالى.


معنى عبارة الحبل بلا دنس

كل حبل ضمن زواج شرعي هو حبل بلا دنس، ويعتبر الحبل بدنس عندما يكون حبلاً غير شرعياً أي ناتج عن زنى .

وترى الكنيسة الكاثوليكية أن البعض يجهل المعنى الحقيقي للحبل بلا دنس فيقولون أن هذه الكنيسة تدعي أن العذراء حبلت بها أمها القديسة حنة بلا زرع بشر أي مثلما حبلت العذراء نفسها بشخص المسيح المبارك عن طريق الروح القدس وبالتالي هي لا تحتاج إلى فداء المسيح ولا يفديها دمه المسفوك؛ أي أنها لا تحتاج إليه، ولكن في حقيقة الأمر أن العذراء مريم حبل بها كسائر البشر أي من رجل وامرأة، وهذا خلاف ما ذكره إنجيلٌ منحول عرف باسم " إنجيل يعقوب" الذي ظهر في القرن الثاني ومنه شاع هذا القول الخاطئ بين الكثيرين.

كذلك ، برأي اللاهوت الكاثوليكي، حصلت العذراء مريم على امتياز الحبل بلا دنس عن طريق استحقاقات سيدنا يسوع المسيح فهو فداها، والنعمة المعطاة للعذراء لم تكن نعمة تبرير، لأنها لم تسقط في الخطيئة الأصلية أو الفعلية، فهذه نعمة مسبقة جعلت العذراء مريم تدخل هذا العالم من دون دنس الخطيئة الأصلية وفي حالة النعمة ولنا ملخص على ذلك في السطور التالية :

" العصمة من الخطيئة الأصلية كانت لمريم هبة من الله وتدبيراً استثنائياً لم يعط إلا لها، ... إنها بتدخل خاص من الله قد وقيت من دنس الخطيئة الأصلية، وهكذا افتديت بنعمة المسيح لكن بصورة أكمل من سائر البشر " وذلك من أجل امتيازها الفريد وهو الأمومة الإلهية.

إلا أنّ الكنيسة الكاثوليكية تستدرك وتؤكد أنه رغم أن العذراء كانت معصومة من الخطيئة الأصلية إلا أنها لم تعصم من ملحقات الخطيئة، أي الألم والعذاب."

معنى عبارة اللحظة الأولى

تعني أن كلية الطوباوية مريم العذراء من اللحظة الأولى من الحبل بها، أي من اللحظة التي خلق فيها الله النفس ونفخها في المادة الجسدية التي أعدها الأبوان وهي معصومة من الخطيئة الأصلية، وتظهر أهمية اللحظة الأولى في العقيدة لأن العقيدة تقول وتحدد أن شخص مريم العذراء الناتج عن اتحاد النفس والجسد هو المعصوم لأن التحديد ليس للجسد فقط ولا للنفس فقط بل لشخص مريم الشامل.

خلاصة مضمون العقيدة وتحديدها

ترى الكنيسة الكاثوليكية أن العذراء دخلت إلى العالم في حالة برارة أي في حالة النعمة، وهكذا كان تدبيراً استثنائياً من قبل الله خاص بمريم، فالله برر العذراء بتطبيق استحقاقات يسوع المسيح ، كانت محتاجة إلى الفداء وافتديت ولكن بطريقة سامية "فقد فداها المسيح إذن ولكن بطريقة الوقاية، المناعة" .



الكتاب المقدس

عقيدة الحبل بلا دنس الخطيئة الأصلية لم تذكر صراحة في الكتاب المقدس ولكنه لمح إليها بحسب الكنيسة الكاثوليكية، وهناك بعض الآيات التي يفسرها علماء الكتاب واللاهوت على أنها تدعم هذه القضية منها:

- "أجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه" (تك 15:3)وعن هذا قيل في أواخر عصر الفلسفة المدرسية وفي علم اللاهوت الحديث بأن انتصار مريم على الشيطان ما كان ليتم كاملاً لو أن مريم كانت يوماً ما تحت سلطانه، وبالتالي كان عليها أن تدخل إلى هذا العالم بدون الخطيئة الأصلية.

- "السلام عليك يا ممتلئة نعمة ، الرب معك" (لو 28:1) يسمي المسيحيون مريم " آغيا تي بارثينوس " أي " العذراء القديسة " وهذا اللقب يعبر عن حالة الإمتلاء بالنعمة التي تخالف تماماً حالة الخطيئة . في بعض الترجمات نجد "المنعم عليها" وهذا اللفظ جعلنا نتساءل عن زمن بداية هذا الإنعام وعن هذا الٳمتلاء بالنعمة. العذراء في فكر الله منذ القدم وممتلئة نعمة منذ الحبل بها وليس - وكل الكلام لا يزال بحسب اللاهوت الكاثوليكي - فى ساعة ولادتها أوفى ساعة حبلها من الروح القدس بيسوع المسيح، اعتمادا على قول بولس الرسول " الذين سبق وعرفهم، سبق فحددهم أن يكونوا مشابهين لصورة أبنه الذين سبق فحددهم والذين عرفهم سبق فبررهم".



العقيدة في التقليد

يقول القديس أفرام "أنكما أنت وأمك وحدكما جميلان كل الجمال من كل وجه إذ ليس فيك يا سيدي عيب، ولا في أمك دنس".

ويقول القديس أغسطينوس الذي يقول بأن على البشر أن يعرفوا أنفسهم خطأه . باستثناء العذراء مريم ، التي هي أبعد من أن يدور الكلام عليها في موضوع الخطيئة، بسبب قدر المسيح .

بعض اللاهوتين الغربيين مثل يونا فنتورا أو بطرس لمياروس وبرناردوس تحدثوا بخضوع مريم للخطيئة الأصلية ولكن مريم خلصت منها فى الحال وهي في بطن أمها، فولدت بلا دنس من أي خطيئة . وكان معهم القديس توما الأكويني، وظلت هذه الفكرة سائدة إلى أن جاء يوحنا دون سكوت أن من سنة 1120 – 1208 وقال " إن مريم قد خلصت بالفعل، فالمسيح هو مخلصها ووسيطها، ولكن بطريقة فريدة جداً، وذلك يعود بكرامة أكبر، سواء للمخلص سواء لمريم العذراء وهي طريقة الوقاية من السقوط وليس بالطريقة العادية أي بالعماد. إذاً مريم كان لابد لها أن ترث الخطية الأصلية بما أنها أتت عن طريق طبيعي إن لم يكن يسوع قد وقاها من السقوط بطريقة أسمى وتفوق الطريقة العادية ".

أقر مجمع بال سنة 1429 هذه العقيدة وثبتها. وفي سنة 1567 حرم البابا بيوس الخامس عبارة بايوس القائلة ما من أحد غير المسيح منزه عن الخطيئة الأصلية، وأن موت العذراء وعذاباتها كانت عقاباً لها عن خطايا فعلية أو عن الخطيئة الأصلية.



قبل الحديث عن أسباب عدم القبول الأرثوذكسي بعقيدة الحبل بلا دنس التي أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية يتوجب علينا الوقوف عند خلاصة هذه العقيدة وبعض الحوادث المختصة بها .

كما رأينا ، فإن " الحبل بلا دنس " هي عقيدة كاثوليكية تخص مريم العذراء ، والتي برأي اللاهوت الكاثوليكي قد حُفِظت بريئة من الخطيئة الأصلية منذ لحظة الحبل بها في رحم والدتها، وذلك بنعمة إلهية خاصة حلت عليها، لكي تكون الإناء الطاهر الذي سيحمل خالق الكلّ لاحقاً. وهذه العقيدة ، لا تهدف كما قد يظن البعض إلى تأليه مريم العذراء أو تحويلها إلى أقنوم رابع، بل هي من أجل تأكيد طهارة ونقاء ذلك الإناء البشري الذي منه تجسد كلمة الله.

ومن أجل ذلك أتى في أدبيات الكنيسة البابوية أن السيدة العذراء في ظهورها في 27 ت2 نوفمبر 1830 في شارع دوباك في باريس علمت الأخت كاثرين لابوري صلاةً تقول " يا مريم التي حُبِل بها بلا دنس صلي لأجلنا نحن الملتجئين إليكِ ".. وفي ظهور العذراء في لورد سألت الطفلة برناديت السيدة عن اسمها فجاوبتها قائلةً " أنا الحبل بلا دنس ".هذا ما جعل هذه الظهورات التي توليها الكنيسة الغربية أهمية بالغة موضع شكوك الكنيسة الأرثوذكسية ، ولذلك أسباب سنعرضها تباعاً.

ولفهم أفضل لحيثيات هذه العقيدة فإنه علينا أن نعرف المفهوم الكاثوليكي للخطيئة الأصلية والمتأثر لحد كبير بلاهوت المغبوط أوغسطينوس ، في معرض دفاعه عن الإيمان المسيحي ضد هرطقة بيلاجيوس. ففي حين كان بيلاجيوس يدّعي أنّ الإنسان يستطيع بقواه الخاصّة الحصول على الخلاص، أكّد أوغسطينوس ضرورة الخلاص بالمسيح، مرتكزًا على فساد الطبيعة البشريّة بعد خطيئة آدم وحوّاء في الفردوس. فهذه الخطيئة بالنسبة لأوغسطين تنتقل بالوراثة إلى كل إنسان يولد من نسل آدم. وينتج عنها أنّ الإنسان يولد خاطئًا، بحيث إنّه إن لم يعتمد لا يمكنه الحصول على الخلاص. كما ينتج أيضاً من وراثة الخطيئة الأصليّة انحراف إرادة الإنسان واستعبادها للشهوة. فكلّ إنسان يولد إذن خاطئًا ومستعبَدًا للشهوة. ويضيف اغسطينوس نتيجة ثالثة هي أنّ الإنسان، بخطيئة آدم وحوّاء، صار مائتاً وفقد الخلود الذي كان الله قد زيّنه به عندما خلقه.

أمّا بشأن مريم العذراء، فيرى أوغسطينوس أنّ مريم العذراء قد تحرّرت كلّيًّا، بنعمة خاصّة، من الخطيئة الأصليّة، ولا سيّما من الاستعباد للشهوة والخطيئة. وقد منحها الله هذه النعمة عندما ولدت. ولا يوضح أوغسطينوس أيّ شيء بالنسبة إلى عدم الموت في تلك النعمة الخاصّة، أي لا يتكلم عن نزاهة مريم العذراء عن الموت البشري الذي يختبره كل إنسان مولود في الخطيئة الأصلية.

الكنيسة الأرثوذكسية رفضت هذه العقيدة، كما رفضت الإعلان عنها من خلال ظهورات للعذراء متزامنة مع الفترة التي أعلن فيها الفاتيكان أن " الحبل بالعذراء بلا دنس " هو عقيدة موحاة وملزمة.



الكنيسة الأرثوذكسية و " عقيدة الحبل بلا دنس "

ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن هذه العقيدة ظهرت نتيجة فهم خاطيء للخطيئة الأصلية، ومفاد هذا المفهوم الخاطيء في اللاهوت الأوغسطيني - الغربي، كما عرضنا أعلاه، ان الإنسان يولد مغضوباً عليه من الله، وهو معاقب بحرمانه من معرفة الله في هذه الحياة، والرب يسوع قد أتى ليزيل هذا العقاب. وهكذا تُمحى الخطيئة الأصلية بالمعمودية التي بحسب المفهوم الغربي يولد كل إنسان وهو حامل ذنب خطأ الأبوين الأولين.

لقد رأى الكاثوليك أن في سلام الملاك لمريم " أيتها المُنعَم عليها " معنىً واضحاً عن تجرّد مريم من الخطيئة الأصلية، وانها وحدها لم يكن عندها دنس الخطيئة الأصلية، لأنه برأيهم قد حُبِل بها من والديها دون دنس الخطيئة الأصلية. والكنيسة الأرثوذكسية ترى في المفهوم الكاثوليكي انتقاصاً وإهمالاً لدور مريم الذاتي في قداستها، إذ بعقيدتهم هذه يقدسونها رغماً عنها، ودون دور لها في تلك القداسة ، لمجرّد أن الله " شاء ".

في اللاهوت الأرثوذكسي لا يرث الإنسان الخطيئة الأصلية، بل نتائجها وهي الفساد ، كما يُخرج الجذر الفاسد ثماراً فاسدة. فالإنسان ليس معاقباً لكونه مسؤولاً عن خطيئة الأبولين الأولين آدم وحواء، بل هو مسؤول تجاه خطاياه وحده. الله في الأرثوذكسية لا يعاقب الناس، بل يحزن على خطاياهم، ولذلك رتب لهم خلاصهم.

هذه العقيدة الكاثوليكية تطرح أسئلة محقة لا يجيب عنها اللاهوت الكاثوليكي، ومن أهمها:

- كيف يمكن أن تكون مريم محررة بإرادة إلهية من الخطيئة الأصلية ، بينما هي مستمرة في حمل نتائج الخطيئة الأصلية " الموت " ، فهل تنقية الله وخلاصه ناقص ؟

- كيف يكون المسيح مخلص العذراء وهي مخلصة مسبقاً " تعظم نفس الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي " ( لو1: 46 ) ؟ هذا يعني أن تجسد المسيح الكلمة وفداؤه لم يشمل بخلاصه شخص مريم التي كانت مخلصة مسبقاً قبل التجسد ؟

وتتساءل الكنيسة الأرثوذكسية ما هو دور الروح القدس في تجسد ابن الله، ولماذا تحل نعمة الروح القدس على من سبق وتم تطهيره ؟ كيف ينقّي احشاءاً سبق له أن نقاها وحفظها مختومة حتى يوم التجسد العظيم وإلى ما بعده ؟ فهل كانت النعمة الإلهية الخاصة التي يتحدث عنها اللاهوت الكاثوليكي بحاجة لمتمم يوم تجسد الرب لكي تحل نعمة الروح القدس على القديسة مريم كما قال لها الملاك وتظللها قوة العلي ( لوقا1 )؟

فعقيدة "الحبل بلا دنس" لا ترى الكنيسة الأرثوذكسية ضرورتها. حيث ترى الكنيسة الأرثوذكسية جوابًا على التساؤلات بخصوص لاهوت الخطيئة الأصلية دون اللجوء إلى عقيدة "الحبل بلا دنس":

- فالعاقبة الأولى: "أن يولد كل إنسان خاطئًا بالفعل"، لا وجود لها، في نظر الكنيسة الأرثوذكسيّة، عند أيّ من البشر.

- والعاقبة الثانية: "أنّ الإنسان صار مائتًا"، لم تُعطِ عقيدةُ الحبل بلا دنس جوابًا عنها. فمريم العذراء خضعت للموت كما يخضع له سائر البشر، وتحمّلت مع سائر البشر عاقبة خطيئة آدم وحوّاء.

- تبقى العاقبة الثالثة: "أن يرث الإنسان طبيعة مجروحة تضعف بهاء صورة الله فيه، دون إزالة حرّيته". فالله قد أنعم على مريم العذراء بملء النعمة والقداسة، وقد تجاوبت مريم مع هذه النعمة، فلم تقترف أيّة خطيئة وبقيت "منزّهة عن كل عيب"، و"كاملة القداسة". ولكنّ هذه النعمة لا تعني، في نظر الكنيسة الأرثوذكسية، عصمة من الخطيئة الأصليّة. لأنّ مثل هذه العصمة، حسب قول أحد اللاهوتيين الأرثوذكسيّين، "تحرم مريم العذراء من صلتها الصميمة العميقة بالإنسانية"، وتسلب الحرّية الإنسانية كلّ قيمتها، وتقطع "الاستمرارية مع قداسة العهد القديم، تلك القداسة التي تجمّعت من جيل إلى جيل لتكتمل أخيرًا بشخص مريم العذراء الكلّية الطهارة التي بطاعتها المتواضعة خطت الخطوة الأخيرة التي كان على الإنسان أن يخطوها لكي يصبح عمل خلاصنا ممكنًا. فعقيدة الحبل بلا دنس، كما عبّرت عنها كنيسة رومية، تقطع هذه الاستمراريّة المقدّسة "لأجداد الإله الأبرار" التي تجد نهايتها في "هوذا أنا أمة الربّ".

ثم "إنّ التحديد العقائدي الكاثوليكي: "امتياز معطى للعذراء توقّعًا للاستحقاقات التي سيكتسبها ابنها"، يأباه فكر الارثوذكسية التي لا تستطيع قبول هذا الميل الحقوقي في التفكير، المبالغ به، والذي يطمس الطابع الحقيقي لعملية فدائنا ولا يرى فيها سوى عملية "استحقاق" مبهم للمسيح، منسوب إلى كائن بشري، قبل آلام وقيامة المسيح وقبل تجسّده أيضاً، وذلك بقرار خاص من الله".

في هذا الموضوع يوجز أحد أساتذة اللاّهوت الأرثوذكسيّين موقفه فيقول:

لقد خلق الإنسان على صورة الله. والخطيئة لم تدمّر تلك الصورة فيه. أمّا المثال فهو الدرجة التي يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى تحقيق الصورة الإلهيّة فيه. المسيح وحده فيه ملء الروح القدس (يو 3: 34). أمّا الإنسان، فهناك حالات يستطيع فيها، باختيار من الله، وبمؤازرة النعمة وتجاوبه معها، الوصول إلى أعلى درجات القداسة وتحقيق صورة الله فيه على وجه شبه كامل... في اللاّهوت كما في سائر الميادين، يجب الانطلاق ممّا نعرف وليس ممّا نجهل. فالمعطيات المعروفة هي موضوع الوحي الإلهي، وتستند إلى كلمة الله، ويثبّتها التقليد، أي خبرة الكنيسة. والحال أنّ هناك أسرارًا، ليس فقط إلهيّة، بل أيضاً إنسانيّة وطبيعيّة، نجهل طريقة تحقيقها، ومنها الحبل وما يجري في نفس الكائن البشري الذي يُحبَل به.

ويخلص هذا اللاهوتي إلى موضوع الحبل بمريم العذراء والدة الإله، فيقول:

إذا كانت عذراء الناصرة قد تمّ اختيارها لتكون الممتلئة نعمة، أمةَ الربّ، أمّ ربي، المرأة، حوّاء الجديدة، أمّ الأحياء، فلا بدّ من أن يكون الحبل بها وولادتها من عمل العناية الإلهيّة وتصميم الخلاص. ولقد كانا دون شكّ موضوع نعمة غزيرة انسكبت فيهما. هل جعلت النعمة من مريم كائنًا منفردًا؟ لقد جعلت منها تلك التي كانت ولا تزال ممتلئة نعمة، تلك التي نالت حظوة عند الله، المباركة في النساء (لوقا 1)، لا تتميّز عن سائر النساء إلاّ من خلال أعياد 9 كانون الأوّل ( عيد حبل حنة بوالدة الإله ) و8 أيلول ( عيد ميلاد العذراء ). والتقوى الشعبيّة نسجت كتبًا منحولة. وما سوى ذلك صمت.

لقد كانت هذه العقيدة الحديثة موضوعاً خلافياً بين الفرنسيسكان والدومنيكان انفسهم، وهم كاثوليك، حتى جاء يوحنا سكوت وفض النزاع بطريقة غريبة غير مفهومة اسمها الفداء بالوقاية، كما بيّنا أعلاه. وهذا لا يتوافق مع كلام القديس بولس الذي لم يستثنِ أحداً من نتائج الخطيئة الأصلية والمتمثلة بالموت بقوله " من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ، إذ أخطأ الجميع " ( رومية5: 12 ). فلو كانت العذراء خلصت بهذه الطريقة ، لماذا لم تُعمم لتشمل البشرية بأسرها؟

لا تستطيع الكنيسة الأرثوذكسية أن تبني العقائد اعتماداً على رؤىً ( رؤيا عذراء لورد )، فلو صحت رواية رؤيا عذراء لورد على الفتاة برناديت " ذات الإثني عشر عاماً " ، فكيف نبني عقيدة على رواية طفلة؟ ولماذا نجزم بأن جملة السيدة العذراء لم تعنِ " انا التي حبلتُ بلا دنس " أي أنها تقصد حبلها بالمسيح المخلص بأنه بلا دنس؟

ليس لهذه العقيدة الكاثوليكية أي ذكر او إشارة لا في أقوال الآباء وكتاباتهم وتعليمهم ولا في المجامع المسكونية والمكانية، ناهيك عن عدم وجودها أصلاً في نصوص الكتاب المقدس. ناهيك عن أن نعمة الله الخاصة كانت مع الرسل أيضاً ، وها هو بولس يؤكد ذلك " ولكن بنعمة الله أنا ما أنا ، ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة ، بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم . ولكن لا أنا ، بل نعمة الله التي معي " ( 1 كور15: 10 )، وهو بجهاده يرى أنه فاقهم في الأتعاب، وهنا نرى أن نعمة الله لا تلغي دور الإنسان في الجهاد للخلاص أو للعمل البشاري..

أياً كانت النعمة المعطاة للعذراء فإن الكنيسة الأرثوذكسية لا ترى أن مريم " معصومة " من الخطيئة، لأن الخطيئة بمفهومها هي خطيئة بالفعل أو بالفكر، بمعرفة وبغير معرفة ، ولهذا عندما يتقدم التائب من سر الإعتراف المقدس فإنه ينال غفراناً حتى عن الخطايا التي لا يعلمها كما عن الخطايا التي أغفل ذكرها سهواً. لا توجد عصمة لبشر من الخطيئة ، وحده الرب يسوع، الإله المتجسد كان منزهاً ومعصوماً عن الخطيئة بشهادة الكتاب المقدس بلسان القديس بطرس " الذي لم يفعل خطية ، ولا وجد في فمه مكر " ( 1 بط2: 22).

لهذا كله ترفض الكنيسة الأرثوذكسية هذه العقيدة الغامضة جملة وتفصيلاً، ولا ترى أي مبرر في كونها " عقيدة ملزمة " كما لا ترى ما يشير إلى كونها " موحاةً ". كما ألزمت هذه العقيدة الكنيسة الكاثوليكية بأعباء نتائجها والتزاماتها، والتي هي مآزق لاهوتية لا سند لها كان لهم ان يكونوا في غنىً عنها.



خاتمة

يجب التأكيد أخيراً على أن هذه العقيدة رفضها كبار اللاهوتيين المطوبين قديسين في الكنيسة الكاثوليكية مثل ألبير الكبير وتوما الإكويني وبيرنار في القرون الوسطى.

يرى الأرثوذكس هذا التعليم الكاثوليكي بمثابة " تغيير " في جوهر اللاهوت لأنه يفتح المجال لتطورات لاحقة أشد منه انحرافاً.

هذه العقيدة إذا أخذناها بتجرد تعني أن الله استثنى مريم من ذنب الخطيئة الأصلية الموروثة بحسب التعريف الكاثوليكي، رغم أن التقليد المشترك بين الشرق والغرب يقول على لسان القديس يوحنا الدمشقي " حل الروح القدس على مريم العذراء أثناء البشارة بالحبل وطهرها " ، بالإضافة لعدم وجود أي نص كتابي يدعم وبشكل واضح قصة تطهير العذراء من الخطيئة الأصلية لحظة الحبل بها في رحم أمها حنة.

لاحظ الأب الكسندر شميمان أن الحبل بلا دنس يجعل العذراء " الإستثناء الأعظم " للبشرية، إذ تضع العذراء بمعزل عن البشرية ليس في درجة النقاء بل وفي النوعية أيضاً.

الليتورجيا الأرثوذكسية غنية جداً بالحديث عن شدة نقاوة العذراء، ولا خلاف عليها، لكن القول أن العذراء أعفيت من الخطيئة الأصلية هو مساوٍ للقول بأنها معفيّة من كونها بشراً. إذ أنه وبحسب الموسوعة الكاثوليكية لم توجد الخطيئة الأصلية في مريم إطلاقاً ولا في أي لحظة، وهذا يجعل مريم استثناءاً ، ويلغي دور كل فضيلة وتقوى لديها قبل أن تحمل بالمسيح، وينكر بطريقة ما كل فضائلها. أما بالنسبة للأرثوذكس فمجد مريم هو من كونها بشراً .

هذه العقيدة تلغي حرية العذراء التي احترمها الله، وتجعلها مسيّرة وغير مخيّرة في خلاصها كسائر البشر. فنحن جميعاً مخيرون في الخلاص ولنا أن نقبله أو نرفضه، والملاك سأل مريم واستأذنها في قبول التجسد الإلهي فكان رأيها " لتكن مشيئته ". حرية العذراء غائبة في تنقيتها المسبقة من نتائج الخطيئة الأصلية.

المشكلة الأكثر تعقيداً والتي ترتبت على عقيدة الحبل بلا دنس هي عقيدة لاحقة أعلنها البابا بيوس الثاني عشر عام 1950 في الدستور الرسولي وهي عقيدة " انتقال العذراء جسدياً إلى السماء". فبحسب عقيدة الحبل بلا دنس ينبغي ألا تفارق روحها جسدها أي ألا تموت كما يموت سائر البشر الخطأة الذين يموتون بسبب نتائج الخطيئة الأصلية كما يقول بولس " بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم ، وبالخطيئة الموت ، هكذا اجتاز الموت إلى الناس ، لأن جميعهم قد خطئوا " ( رو5: 12 ). وطالما كان بحسب اللاهوت الأوغسطيني نفسه الذي استندت له عقيدة الغرب هذه هو عقاب على الخطيئة الأصلية وليس نتيجة لها كما يقول الأرثوذكس، فمن غير الممكن أن يعاقب الله العذراء على ما لا صلة لها به. البابا بيوس صاغ العقيدة بطريقة غير واضحة " .. العذراء نًقلت جسداً ونفساً إلى المجد السماوي ". وفي اللاهوت الأرثوذكسي أن العذراء رقدت فعلاً وفارقت روحها جسدها ولكن الرب أصعد جسد أمه البارة لأنه جسد أم الحياة .. لهذا لم تجد الكنيسة الأرثوذكسية مشكلة في قبول قضية رقاد السيدة كسائر البشر، بينما لم تجد الكنيسة الكاثوليكية طريقة لقبول ذلك لأنه سيناقض عقيدة الحبل بلا دنس.

الكنيسة الأرثوذكسية تسمي يوم الخامس عشر من شهر آب " رقاد العذراء "، أما الكاثوليكية فتسميه " صعود العذراء أو انتقالها " بدون موت . ويقول يوحنا الدمشقي " .. نحن نحتفل برقادها ولا ندعوها إلهة ...لأننا حتى نعلن موتها "، ومن ثم انتقالها للحياة الأبدية لأنها كما نرتل لها يوم رقادها " ام الحياة ".


avatar
طلال فؤاد حنوكة ايشوعي

عدد الرسائل : 1971
العمر : 56
تاريخ التسجيل : 31/03/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى